عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

75

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ « 1 » أنا الصراط المستقيم أنا المعوج والقويم ، أنا المحدث والقديم ، فلم تزل تتداعى كئوس المنادمة في حضرة الوجود والمكالمة ، إلى أن خفق خافق وأومض من سفح الأبيرق بارق ، فسألته عن الركن المصون والنبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ، فقال : اسمع ما تقول هذه الأسماء في ذراها الأعلى الأسمى فإذا هي تناجي بأفصح لسان وأصرح بيان معطية ما عندها من غير كتمان ، فقلت : ما ذا ؟ فقال : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ « 2 » فقلت للقدير حدثني عني يا فلان خَلَقَ الْإِنْسانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ، وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ « 3 » وقلت للمريد أيها القديم الجديد خبرني عني وارددني إليّ مني ، فقال : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ، وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ، وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ، وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ « 4 » فقال العليم بلسان حكيم وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ، وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ « 5 » فقلت : أيها الحكيم المعجب حدثني عن عنقاء مغرب ، ودلني على الكنز المصون بين الكاف والنون ، فقال : يكفيك مني ما يحدث القديم عني ، فقلت له دلك لا يغني ، فقال أزيدك ؟ فقلت زدني ، فقال : إن المزيد قد أتاك عني بالخبر السديد والرأي الرشيد ، فقلت فهمه عليّ بعيد ، فمن يا مولانا أنت ؟ فقال : نفس العبيد ثم تلا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ « 6 » إنما أمرنا لشيىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون « 7 » فلم تزل تناجيني الحضرات وتبرز لي أبكارها الخيرات إلى أن هب نسيم السعادة ، فحقق له علم السيادة فشممت رائحة رائحة ، وكانت باللذات للذات في اللذات نافحة ، فأخذتني عني وجذبتها إليّ مني ، فانحلت قواي وأذابت جواي ، وامتحن الكائن والبائن ، واستحقّ الآيب والقاطن ، وانطمس رسم الحيّ فلم يبق لا ميت ولا حي ، فعند ذلك مت موتة أبدية ، وسحقت سحقة سرمدية ، فلا بعث

--> ( 1 ) آية ( 61 ) سورة طه . ( 2 ) آية ( 1 ، 2 ) سورة الرحمن . ( 3 ) آية ( 3 : 7 ) سورة الرحمن . ( 4 ) آية ( 1 : 7 ) سورة التكوير . ( 5 ) آية ( 8 : 14 ) سورة التكوير . ( 6 ) آية ( 40 ) سورة النحل . ( 7 ) آية ( 21 ) سورة الأنفال .